السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

253

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

عنهم ، فجاوبهم بما يثلج الصدر ويقرّ الأعين إذ « قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ » ، وأصل الكلمة الثرب وهو الشحم الرقيق على الكرش ، وفي الجوف ، وصيغة التفعيل للسلب أي إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع ، واستعير للّوم الذي يخرق الاعراض ويذهب بهاء الوجه ، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما لا يرضى ، كما أنه باللوم تظهر العيوب ، لذلك شبه به ، والجامع بينهما طروء النقص بعد الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال بكل ، وهي اسم لا وخبرها مقدر تقديره كائن متعلق عليكم ، واليوم ظرف متعلق بذلك الخبر المقدر أيضا ، ولفظ اليوم هنا ليس لا قيد لأنه إذا لم يلمهم أول لقائه واشتعال ناره ، فلأن لا يلومهم ولن يعاقبهم بعده بطريق الأولى . وقال المرتضى إن اليوم موضوع للزمان كله ، مستدلا بقوله : اليوم يرحمنا من كان يغبطنا * واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا كأنه أريد بعد اليوم ، قال هذا عليه السلام تطييبا لخاطرهم ، وسدا عن بحث ما سلف منهم ، وعلى هذا ينبعي أن يوقف على كلمة اليوم ، لأنه راجع للتثريب ومتعلق بما تعلق به خبر لا كما ذكرنا ، ويبتدأ بقوله عز قوله « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » وهذه جملة دعائية لهم بالمغفرة من اللّه ، لأن فعل الدعاء لا ينصب ما قبله غالبا ، وإذا رجعناه لما بعده وعلقناه بقوله تعالى يغفر فينبغي أن يوقف على كلمة عليكم ويبتدأ بكلمة اليوم ويوصلها بما بعدها ، وعلى هذا يكون المعنى مبادرته لهم بالبشارة بمغفرة ربهم عما سبق منهم بحقه وحق أخيه ، وذلك لما لحقهم من الخجل والحياء ، إذ لم يبق لهم بد من اعترافهم بالخطإ وندمهم على فعلهم ، ويكون ذلك من قبيل الإخبار بالغيب ، وعلى هذا قول صلّى اللّه عليه وسلم لقريش عند فتح مكة ما تروني فاعلا بكم ؟ قالوا نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت ، فقال أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم ، وقولهم هذا فضلا عن اعترافهم بالذنب فإنه توبة أيضا ، ولا شك أن الذنب مرض وشفاؤه التوبة ، ولهذا قال لهم ما قال ، وهو مصدر العفو ، ولما جاء أبو سفيان ليسلم قال له العباس أتل على رسول اللّه لا تثريب عليكم اليوم ، ففعل ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم يغفر اللّه لك ولمن علمك . وهذا قد يصح لأن السورة